ابن عطية الأندلسي

279

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال السدي : « نزلت في الأخنس بن شريق ، واسمه أبيّ ، والأخنس لقب ، وذلك أنه جاء إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فأظهر الإسلام ، وقال : اللّه يعلم أني صادق ، ثم هرب بعد ذلك ، فمر بقوم من المسلمين ، فأحرق لهم زرعا ، وقتل حمرا ، فنزلت فيه هذه الآيات » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : ما ثبت قط أن الأخنس أسلم . وقال ابن عباس : نزلت في قوم من المنافقين تكلموا في الذين قتلوا في غزوة الرجيع عاصم بن ثابت وخبيب وابن الدثنة وغيرهم قالوا : ويح هؤلاء القوم لا هم قعدوا في بيوتهم ولا أدوا رسالة صاحبهم ، فنزلت هذه الآيات في صفات المنافقين . ثم ذكر المستشهدين في غزوة الرجيع في قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ الآية ، وقال قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء : نزلت هذه الآيات في كل مبطن كفر أو نفاق أو كذب أو إضرار وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك ، فهي عامة ، وهي تشبه ما ورد في الترمذي أن في بعض كتب اللّه تعالى : « أن من عباد اللّه قوما ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين ، يجترون الدنيا بالدين ، يقول اللّه تعالى : أبي يغترون وعلي يجترون ؟ حلفت لأسلطن عليهم فتنة تدع الحليم منهم حيران » . ومعنى وَيُشْهِدُ اللَّهَ أي يقول : اللّه يعلم أني أقول حقا ، وقرأ أبو حيوة وابن محيصن « ويشهد اللّه » بإسناد الفعل إلى اسم الجلالة ، المعنى يعجبك قوله واللّه يعلم منه خلاف ما قال ، والقراءة التي للجماعة أبلغ في ذمه ، لأنه قوى على نفسه التزام الكلام الحسن ثم ظهر من باطنه خلافه ، و ما فِي قَلْبِهِ مختلف بحسب القراءتين ، فعلى قراءة الجمهور هو الخير الذي يظهر ، أي هو في قلبه بزعمه ، وعلى قراءة ابن محيصن هو الشر الباطن ، وقرأ ابن عباس « واللّه يشهد على ما في قلبه » ، وقرأ أبي وابن مسعود « ويستشهد اللّه على ما في قلبه » ، والألد : الشديد الخصومة الصعب الشكيمة الذي يلوي الحجج في كل جانب ، فيشبه انحرافه المشي في لديدي الوادي ، ومنه لديد الفم ، واللدود ، ويقال منه : لددت بكسر العين ألد ، وهو ذم ، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أبغض الرجال إلى اللّه الألد الخصم » ، ويقال : لددته بفتح العين ألده بضمها إذا غلبته في الخصام ، ومن اللفظة قول الشاعر : [ الخفيف ] إنّ تحت الأحجار حزما وعزما * وخصيما ألدّ ذا معلاق و الْخِصامِ في الآية مصدر خاصم ، وقيل جمع خصم ككلب وكلاب ، فكان الكلام وهو أشد الخصماء والدهم .